الغزالي

361

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

72 - باب : في صفة الجنة ومراتب أهلها اعلم أن تلك الدار التي عرفت همومها وغمومها ، وهي النار ، تقابلها دار أخرى ، فتأمّل نعيمها وسرورها ، فإن من بعد من إحداهما استقرّ لا محالة في الأخرى ، فاستأثر الخوف من قلبك بطول الفكر في أهوال الجحيم ، واستأثر الرجاء بطول الفكر في النعيم المقيم ، الموعود لأهل الجنان ، وسق نفسك بسوط الخوف ، وقدها بزمام الرجاء إلى الصراط المستقيم ، فبذلك تنال الملك العظيم ، وتسلم من العذاب الأليم . فتفكّر في أهل الجنة ، وفي وجوههم نضرة « 1 » النعيم يسقون من رحيق « 2 » مختوم ، جالسين على منابر الياقوت الأحمر ، في خيام من اللؤلؤ الرطب الأبيض ، فيها بسط من العبقري الأخضر ، متّكئين على الأرائك منصوبة على أطراف أنهار مطّردة بالخمر والعسل ، محفوفة بالغلمان والولدان ، مزينة بالحور العين من الخيّرات الحسان ، كأنهن الياقوت والمرجان ، لم يطمثهنّ إنس قبلهم ولا جان ، يمشين في درجات الجنان ، إذا اختالت إحداهن في مشيها حمل أعطافها سبعون ألفا من الولدان ، عليها من طرائف الحرير الأبيض ما تتحيّر فيه الأبصار ، متوجات بالتيجان المرصّعة باللؤلؤ والمرجان ، شكلات غنجات عطرات آمنات من الهرم والبؤس ، مقصورات في الخيام في قصور من الياقوت ، بنيت وسط روضات الجنان ، قاصرات الطرف عين ، ثم يطاف عليهم وعليهن بأكواب وأباريق وكأس من معين ، بيضاء لذّة للشاربين ، ويطوف عليهم خدام وولدان كأمثال اللؤلؤ المكنون ، جزاء بما كانوا يعملون ، في مقام أمين ، في جنّات وعيون ، في جنات ونهر ، في مقعد صدق عند مليك مقتدر ، ينظرون فيها إلى وجه الملك الكريم ، وقد أشرقت في وجوههم نضرة النعيم ، لا يرهقهم قتر ولا ذلة ، بل عباد مكرمون ، وبأنواع التحف من ربهم يتعاهدون ، فهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون ، لا يخافون فيها

--> ( 1 ) النّضرة : السبيكة من الذهب . ( 2 ) رحيق : مسك لا غش فيه ضرب من الطيب .